الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
20
مختصر الامثل
شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ » . إنّ قولهم « وَلَا حَرَّمْنَا » إشارة إلى بعض أنواع الحيوانات التي حرّم لحومها المشركون في عصر الجاهلية ، والتي أنكرها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بشدة . وكأنّهم يقولون : إن كانت أعمالنا لا ترضي اللَّه تعالى فلماذا لم يرسل إلينا الأنبياء لينهونا عما نقوم به ، فسكوته وعدم منعه ما كنا نعمل دليل على رضاه . ولهذا يقول تعالى مباشرة : « كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلغُ الْمُبِينُ » . وهذا هو خط جميع دعاة الحق ( من الأنبياء وغيرهم ) . . فهم : لا يداهنون في دعوتهم أبداً ولا يجاملون الباطل وأهله ، متحملين كل عواقب هذه الصراحة والقاطعية . وبعد ذكر وظيفة الأنبياء ( البلاغ المبين ) ، تشير الآية التالية باختصار جامع إلى دعوة الأنبياء السابقين ، بقولها : « وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا » . « الامّة » : من « الأم » بمعنى الوالدة ، أو بمعنى كل ما يتضمن شيئاً آخر في داخله ؛ ومن هنا يطلق على جماعة تربطها وحدة معينة من حيث الزمان أو المكان أو الفكر أو الهدف « امّة » . ويبيّن القرآن محتوى دعوة الأنبياء عليهم السلام بالقول : « أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ » . لأنّ أسس التوحيد إذا لم تحكم ولم يطرد الطواغيت من بين المجتمعات البشرية فلا يمكن إجراء أي برنامج إصلاحي . « الطاغوت » : صيغة مبالغة للطغيان . . أي التجاوز والتعدي وعبور الحد ، فتطلق على كل ما يكون سبباً لتجاوز الحد المعقول ، ولهذا يطلق اسم الطاغوت على الشيطان ، الصنم ، الحاكم المستبد ، المستكبر وعلى كل مسير يؤدّي إلى غير طريق الحق . ونعود لنرى ما وصلت إليه دعوة الأنبياء عليهم السلام إلى التوحيد من نتائج ، فالقرآن الكريم يقول : « فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّللَةُ » . والآية ( 79 ) من سورة النساء تشير إلى المعنى المذكور بقولها : « مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ » . وفي نهاية الآية يصدر الأمر العام لأجل إيقاظ الضالين وتقوية روحية المهتدين ، بالقول : « فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانظُرُواكَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذّبِينَ » . فالآية دليل ناطق على حرية إرادة الإنسان ، فإنْ كانت الهداية والضلال أمرين